إن قصر (الجعفرية) هو أبرز معالم سرقسطة في الأمس واليوم ويعد أحد أكبر مفاخرها،بحيث لا يمر سائح في المدينة دون أن يراه. لقد بناه حاكمها الملك أبو جعفر أحمدالمقتدر في القرن الحادي عشر أيام حكمه بين الأعوام (1046 ـ 1082) وكان هو أول منتغزل بقصره شعراً واصفاً إياه بأنه قمة ما تمنى، وأنه على الرغم من اتساع حكمهومآثره في أقليم آراغون إلا أن هذا القصر وحده يكفيه كمفخرة له عن كل مآثره الأخرى. لقد بناه خارج المدينة حيث يمتد النظر من شرفاته على حدائق وبساتين خضراء حتىالنهر، وحصنه بقلاع عالية وخندق عريض، مازجاً في فنه المعماري ملامح من دمشق وبغدادوالمغرب فيما يغلب عليه التأثر بالفن المعماري في قرطبة،
وجعل فيه محراباً رائعاً للصلاة، وقاعات للتدارس وصالات للترف والاحتفالات منهاصالة الذهب وفي وسطه بئر تصل مياهه عبر قناة من النهر وبمستواه ترتفع بارتفاعهوتنخفض بانخفاضه، مما يجعل الماء وفيراً في القصر ونافوراته، ولم ينس البركةالمعروفة في قصور الشرق كرمز للرفاهية والخير والسلام. نوافذه وهندسته درست بعنايةمراعية لمساقط الضوء وانعكاساته على ألوان المبنى التي م ن أبرزها الأحمر والأزرقوالزهري والأبيض.. بل أن معماره قد أثرفي كل المعالم الأندلسية التي بنيت بعده بمافي ذلك جوانب من قصر الحمراء في غرناطة. وقد أطلق عليه آنذاك (قصر السرور) دلالةعلى الرخاء والرفاهية وباعتباره قصر صيفي لإقامة الملك ومركزاً ثقافياً وفنياً فيعصره، ثم تحول اسمه مع مرور الزمن إلى (الجعفرية) نسبة إلى جعفر بن المقتدر، حيثدرج الأسبان على هذه التسمية حتى اليوم. لقد سعى المقتدر عبر هذا القصر إلى تقليدالمناخ الثقافي الذي كان سائداً في بغداد وخاصة في (بيت الحكمة) فقد جعل منه بمثابةورشة فكرية علمية ثقافية فنية مفتوحة إلى جانب كونه قصراً ترفيهياً يتم فيه تطبيقالتقاليد الشرقية. فكان يجمع فيه خيرة علماء الفقه والفلسفة والطب والهندسةوالشعراء وأهل الفن بغض النظر عن كونهم مسلمين أو نصارى أو يهود، فقد كان جوالتسامح والتلاقح الثقافي سائداً بحيث يشكل علماء الأديان الأخرى جزءاً مكملاً فيإطار فسيفساء الثقافة الإسلامية، بل أن بعضهم كان يعين العلماء المسلمين علىالاستنتاج والاستنباط في العلوم الإسلامية نفسها لما كانوا عليه من دراية وتشبعبالثقافة الإسلامية، مما جعل للحركة الثقافية في سرقسطة خصوصيتها، بحيث أثار دهشةالباحثين والآثاريين اليوم وجود رسم نحتي لطائر مجسد وسط زخرفة أحد أعمدة مداخلالقصر وهو ما لم يوجد في أي أثر إسلامي آخر بحكم منع الإسلام لتجسيد الكائنات الحيةفي الرسم والنحت، الأمر الذي جعل الباحثين يعزون ذلك إلى طبيعة الانفتاح الثقافيالتي كانت سائدة في هذا القصر، فيما يرى البعض بأنه محاولة في استكمال التصور عنقصور الجنة، لما كان عليه هذا القصر من روعة، فوضعوا صورة الطير في الأعلى. هذا إلىجانب ما تم من تطريز للحواشي العليا للجدران والسقوف بآيات من القرآن بالخط الكوفيوخاصة في المحراب والمدخل، أما في القاعات العليا فقد تكررت عبارة (الملكلله..الملك لله) بكل الاتجاهات مثلما تكررت عبارة (لا غالب إلا الله)
ولشدة إعجاب ملوك آراغون بهذا القصر الذي استولوا عليه بعد سقوط سرقسطة، وبشكل خاصبيدرو دي آراغون الذي أحب أن يكون قصره في هذا القصر، فأقاموا عليه التحويرات وبنواقاعة احتفالاتهم فوق قاعة احتفالات المسلمين كدلالة على الانتصار والتفوق، وكما حدثفي غرناطة وقرطبة وغيرها راحوا يلصقون رموز وشعارات مملكاتهم والصلبان على السقوفوأعالي الجدران، إضافة إلى تطريزات قوطية ورومانية وكنائسية وتحويل المحراب إلىمطبخ.. ومما يدعو للتأمل مفارقة أن يخطوا أسماء زوجاتهم وتواريخ زواجهم وشعاراتدعاية سياسية لحكمهم وسيوف ودروع ورماح وصوراً لهم ولانتصاراتهم وعبارات تشير إلىقوتهم وملكيتهم الأبدية التي لا تزول وتحويل الغرف الجانبية إلى زنزانات للتعذيب،فبينما يذكر الحاكم المسلم نفسه بالتواضع والفناء وأن هذا (الملك لله) يفعل الآخرالعكس..
هذا ثم تحول القصر بحكم تحصيناته العسكرية إلى مقر للجيوش ولمحاكم التفتيش وسجنلمعارضي الحكومات المتلاحقة على امتداد ثلاثة قرون حيث مازالت آثار السجناء باقيةمن عبارات عذاب وذكريات وحساب للأيام وأسماء حبيباتهم وخربشات خطوها بأظافرهم… ثمأهمل القصر وظل في تصور الناس على أنه مجرد قلعة عسكرية قديمة، إلى أن صدر القراربإعادة ترميمه وصيانته في أواسط الثمانينات، حيث تم العمل فيه بجدية وأمانةاستطاعتا أن تجعلا منه الآن معلماً مثيراً للدهشة والتأمل، وهو يجمع في تكوينهالحالي آثار مراحل وقرون عديدة منها الإسلامي الأندلسي ثم الملوكي الأراغوني والعصرالوسيط وأضيف إليه ركن حديث تابع لبلدية آراغون. فأصبح رمزاً وسجلاً لتلاحق وتوارثالعصور وأرشيفاً لحضارات متعاقبة.. حتى حاز مؤخراً على جائزة أوربية